حبيب الله الهاشمي الخوئي
152
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
عليه السّلام صدورهم بعشّ الطائر وموطنه إذا البائض لا يبيض إلَّا في مسكنه ، وكنّى بالبيض والفرخ عن إقامته عليهم ومكثه في قلوبهم لاغوائهم ، ويمكن أن يكون المراد بهما معناهما الأصلي لأنّه لا نتاج له وإنّما يبيض ويفرخ بنفسه . كما يدلّ عليه ما رواه في البحار من الخصال بإسناده عن أبي عبد الرّحمن عن معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : الآباء ثلاثة آدم ولد مؤمنا ، والجانّ ولد كافرا وإبليس ولد كافرا وليس فيهم نتاج إنّما يبيض ويفرخ وولده ذكور ليس فيهم إناث . وفيه من العلل بإسناده عن عمرو بن خالد عن زيد بن عليّ عن آبائه عن عليّ عليهم السّلام قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : إنّ اللَّه عزّ وجلّ حين أمر آدم أن يهبط ، هبط آدم وزوجته وهبط إبليس ولا زوجة له وهبطت الحيّة ولا زوج لها فكان أوّل من يلوط بنفسه إبليس فكانت ذرّيته من نفسه ، وكذلك الحيّة وكانت ذرّية آدم من زوجته فأخبرهما أنّهما عدوّ ان لهما هذا . ولكنّ الأظهر هو المعنى الأوّل لأنّ الكناية أبلغ من الافصاح وأسدّ من التّصريح ، فيكون ذلك نظير قوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : إنّ الشّيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدّم ، فإنّ المقصود به ليس أنّه يدخل عروقه وأوراده وتجاويف أعضائه بل المعنى أن الشّيطان لا يزال يراقب العبد ويوسوس إليه في نومه ويقظته ، إذ هو جسم لطيف هوائيّ يمكنه أن يصل إلى ذلك الانسان فيوصل كلامه ووسواسه إلى باطن اذنه فيصير إلى قلبه ، واللَّه العالم بكيفيّة ذلك . وبالجملة كلام العرب إشارات وتلويحات والكلام إذا ذهب عنه المجاز والاستعارة والكناية زالت براعته وفارقه رونقه وبقى مغسولا وصار عاميّا مرذولا وكان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وكذلك سيّد الأوصياء عليه السّلام أفصح الفصحاء وأكمل البلغاء ، فيكون فائدة كلامه صلوات اللَّه عليه أنّ الشّيطان يلازمك ويراصدك من حيث لا تعلم فعليك بالاحتراز منه والتّوقّي من كيده ومكره ، وفائدة كلامه عليه السّلام أنّ الشّيطان استوطن قلوبهم ولزم صدورهم لزوم الطير البائض على بيضته ( ودبّ ودرج في حجورهم ) دبيب الولد في حجر والديه فهو معهم لا يفارقهم ولا يفارقونه ، وعلى الوجه الآخر